هشام جعيط
80
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
وجدت رؤية شيعية كارثية ، وقد حللها ماسينيون « 1 » ، كما وجد تصور ثقافي ، ما زال حيا ، متعلق بالإرث النحوي « 2 » ، إلا أن ايقاع أطوار حياة هذه الحاضرة بقي هزيلا في المخيال الإسلامي . وبذلك تفرض نفسها صورة الحاضرة الإسلامية المتأخرة ، الحاضرة المختنقة في أزقتها الضيقة ، المسحوقة بتشعبها الفوضوي ، المأهولة بالسكان والمتلونة « 3 » ، وإذا كانت فكرة « المدينة » « 4 » قد ظهرت بظهور العصر العباسي - التي نفترضها متراصة - وكذلك فكرة الربض المحيط ، يبقى أن الكوفة تميزت بخاصيات المدينة المفتوحة الهندسية الواسعة المهوّاة وهي الخاصيات الموجودة حين كان نشاطها السياسي والعسكري على أشده ( 17 - 132 ه / 638 - 749 ) ، والموجودة مجددا في آخر مراحل حياتها « 5 » . ولذا وجب في استقرائنا للمدينة الإسلامية من الجيل الأول إمعان النظر باتجاه الماضي القريب ( العربي ذاتيا ، والماضي الفارسي « 6 » والهلنستي « 7 » ) ، أكثر من إمعانه بالاتجاه إلى المستقبل أي نحو الجهاز الكلاسيكي ، وقد أصبح هذا الجهاز يتماثل مع طول الزمن وإلى حدّ كبير بنمط المدينة العراقية القديمة « 8 » ) .
--> ( 1 ) Massignon , op . cit . , p . 54 ؛ البراقي ، تاريخ الكوفة ، ص 70 وما بعدها ، يعرض وصفا غريبا لنهاية الزمان بالكوفة والعلامات البارزة المرافقة لذلك ، وهي عبارة عن تنبؤات توحي بالكوارث . ( 2 ) الفهرست ، تحقيق فلوجل Flu ? gel ، ص 64 - 77 ؛ ياقوت ، معجم الأدباء ، ج 5 ص 106 - 115 . لقد اعتمدت كل التآليف الكلاسيكية في الأدب والطبقات ، المقارنة بين الكوفة والبصرة في مجال النحو الذي ارتبط كثيرا بفقه اللغة ، ولا سيما ابن الأنباري . أما عن المحدثين فيراجع جرحي زيدان ، تاريخ آداب اللغة العربية ، القاهرة ، 1924 ، ج 2 ، ص 179 - 189 ؛ وأحمد أمين ، ضحى الإسلام ؛ Brockelmann , Geschichte . . . , sup . I pp . 177 ff . وخصّ المخزومي المدرسة النحوية بالكوفة بدراسة جدية عنوانها : مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو ، بغداد ، 1955 . ( 3 ) انظر لاحقا ص 134 من هذا الكتاب . ( 4 ) اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص 238 ، 239 ، 241 ، 242 ؛ الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج 1 ، ص 71 ، 74 ، 76 ؛ الطبري ، ج 8 ، ص 561 . ( 5 ) ابن جبير ، الرحلة ، بيروت 1959 ، ص 187 وما بعدها ؛ ابن بطوطة ، الرحلة ، بيروت 1960 ، ص 219 وما بعدها . وهناك معلومات عند المقدسي في أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ، ص 117 . ( 6 ) انظر لاحقا ، ص 166 - 173 . ( 7 ) انظر لاحقا ، ص 162 - 166 . ( 8 ) H . Franckfort , « Town - Planning in Ancient Mesopotamia » , Town Planning Review , XXI ( July 1950 ) ; Sir Leonard Wooley , Excavations at Ur ; a Record of Twelve years' Work , Lon - don , 1954 ; History of Mankind , I , pp . 417 - 429 ; Leo Oppenheim , La Me ? sopotamie , Paris , . 1970 , pp . 88 - 155 . وقد ذهبت مرغريت روتن بعيدا جدا في المقارنة بين المدينة الاسلامية في العهد الوسيط والمدينة البابلية ، انظر : Marguerite Rutten , Babylone , Paris , 1948 , pp . 51 - 55 راجع أيضا : . E . Wirth , « Die Orientalische Stadt . . . » , Saeculom 26 ( 1975 ) , pp . 45 - 94 . ونقدنا له لاحقا ، ص 144 - 146 .